0
الأربعاء 22 أيار 2019 ساعة 14:01

القضية الفلسطينية ومحاولة تصفيتها بالأموال العربية !

القضية الفلسطينية ومحاولة تصفيتها بالأموال العربية !
اتخذت حكومة الاحتلال في سبيل فرض هيمنتها إجراءات عدّة بهدف تثبيت استيطانها الذي مارسته بحق الفلسطينيين، حيث شهدت الفترة التي تلت حرب حزيران سنة 1967، إقامة مئات الوحدات الاستيطانية في المناطق التي كان يشكّ قادة "إسرائيل" بأنها ستسبب لهم المشكلات مستقبلاً، ولتكون هذه المستوطنات نقاط مواجهة متقدمة داخل الأراضي الفلسطينية في أيّ مواجهات قادمة.

نكسة حزيران؛ كانت حجر الأساس لإقامة أول الأحياء الصهيونية في المدينة، ليشهد العام ذاته بناء أول مستوطنة حملت اسم "أبراهام افينو"، حيث يدعي اليهود أنهم أقاموا هذه المستوطنة على أنقاضِ كنيس يهودي في المدينة.

ليست المدينة وحدها من شهدت استيطاناً يهودياً؛ بل امتدت يد الاستيطان لتصل إلى الحرم الإبراهيمي، الذي شهد هو الآخر نوعاً جديداً من الاستيطان لم يشهده منذ آلاف السنين، وبقرار رسمي؛ قسّمت حكومة الاحتلال الحرم بين اليهود والمسلمين وذلك إثر مجزرة الحرم الإبراهيمي الشهيرة، واليوم بات يقتحم الحرم مئات من المستوطنين يومياً وذلك عبر مدخل خاص لهم، لكن المستفز أكثر من ذلك كما يرى الفلسطينيون أنّه وفي موعد رفع كل أذان، يفتح أفراد شرطة الاحتلال الباب الفاصل بين شطري الحرم ليرافقوا المؤذن إلى غرفته التي باتت ضمن القسم المخصص لليهود!.

لقد قام العدو بتوسيع حدود القدس بضم مستوطنة معاليه أدوميم التي يقطنها نحو 20 ألف مستعمر، إضافة إلى مستوطنات عسكرية أخرى من الجهة الشرقية، وضم مستعمرات عديدة من الشمال، مما أدى إلى مضاعفة عدد المستوطنين ليصبح 380 ألف مستعمر. ولا شك أنّ عملية الاستيطان في القدس وضواحيها قد خلّفت آثارًا كبيرة على السكان الفلسطينيين يمكن إجمالها بالنقاط الآتية:

 مصادرة آلاف الدونمات من الأراضي التابعة للقرى الفلسطينية وإقامة المستعمرات عليها. وعلى أراضي محافظة القدس لوحدها، تمّت إقامة 43 مستوطنة على مساحة تزيد عن 46 ألف دونم.

 تطويق التجمعات السكنية الفلسطينية وخنقها والحدّ من توسّعها، وتهديد بعضها بإزالته نهائيًا.

 وإبقاء فلسطينيّي القدس وضواحيها في حالة خوف ورعب دائمين، من خلال الاعتداءات والإهانات المتكررة التي يمارسها ضدهم المستوطنون المدججون بالسلاح والمحميّون من جيش الاحتلال.

وعزل مدينة القدس وضواحيها عن محيطها الفلسطيني والتحكّم بحركة الفلسطينيين بين شمالي الضفة الغربية وجنوبها. وفي هذا الإطار افتتحت إسرائيل ما يعرف بمعبر شعفاط العسكري، وهو معبر ضخم يضم منافذ للمشاة والسيارات، ويتحكم بحركة عبور الفلسطينيين من حَمَلة بطاقة الهوية الإسرائيلية الزرقاء إلى المدينة، ويحرم أكثر من 50 ألفًا من هؤلاء من الإقامة فيها.

وقطع التواصل الجغرافي بين أنحاء الضفة الغربية، وتقسيمها إلى بقع متناثرة والحيلولة بالتالي دون إقامة دولة فلسطينية متكاملة الأركان وذات سيادة.

 وتشويه النمط العمراني الرائع للقدس العتيقة والقرى الفلسطينية المحيطة بها، وتغيير أسماء الشوارع والأماكن العربية الإسلامية إلى أسماء عبريّة تلمودية، والعمل على هدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل المزعوم مكانه.

 وحفر الأنفاق تحت المسجد الأقصى، وبناء كنس يهودية لأداء الطقوس التلمودية فيها، وتهديد المسجد بالسقوط مع تكريس الوجود اليهودي داخله، وذلك بالصلاة فيه يوميًا، وباقتحام باحاته في وضح النهار، وأيام الأعياد بحماية الشرطة الإسرائيلية أو ما يسمَّى حرس الحدود، لتثبيت مبدأ أحقية اليهود فيه.

وعلى الرغم من كل التصريحات الإسرائيلية بأنّ حكومتهم تسعى إلى السلام، إلا أنّ الإجراءات على الأرض تحكي قصة أخرى، فمنذ اتفاقية السلام بين السلطة الفلسطينية والإحتلال الإسرائيلي زاد عدد المستوطنين بشكلٍ مضطرد، ناهيك عن تسييس القضاء الإسرائيلي، الذي أصدر ولا يزال أحكاماً تقضي بتوسيع بناء المستوطنات، ورد أيّ قضيّة يرفعها الفلسطينيون ضد الإجراءات الإسرائيلية الخاصة بمصادرة الأراضي وتحويلها إلى مستوطنات.

مع ذلك قرار ترامب بإعلانه صفقة القرن لم يكن مفاجئاً لأن أكثر من 78% من الأراضي الفلسطينية احتلّتها إسرائيل، فيما الأراضي المتبقية للسلطة منزوعة السيادة بالكامل.

والمفارقة المخزية في هذا السياق عربيًا ودوليًا، هي في عدم تمكين أصحاب الأرض الحقيقيين منذ نكبـة 1948 من إعلان دولتهم الشرعية، بينما يتمتع الكيان الصهيوني بدعم وتأييد واعتراف دولي وإقليمي، لاسيما من قبل دول كانت تعتبر إسرائيل العدو الأوحد والأول يومًا ما.

وبعد أيام على إعلان جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أن "صفقة القرن" ستعلن بعد شهر رمضان، أعلن البيت الأبيض، عقد مؤتمر اقتصادي دولي في مملكة البحرين يومي 25 و26 يونيو المقبل لدعم الفلسطينيين ضمن "خطة السلام".

في الظاهر يهدف المؤتمر الذي ينعقد تحت شعار "السلام من أجل الازدهار" بغية التشجيع على الاستثمار في الأراضي الفلسطينية وذلك ضمن المرحلة الأولى من خطة الرئيس دونالد ترامب المقبلة للسلام في الشرق الأوسط.

وأما خلف الستار، يحمل إطلاق صفقة القرن بشكل رسمي من البحرين، العاصمة العربية، جملة من الدلالات التي تشير إلى الجهات العربية التي تقف خلف هذه الصفقة، 

 ويبدو واضحاً من خلال بيان البيت الأبيض أن المؤتمر سيبتعد عن الجانب السياسي، وبالتالي سيتم تقديم وعود اقتصاديّة مشروطة، أي إنها سترتبط بالقبول بالشق السياسي للصفقة، بعبارة أخرى، تسعى واشنطن وبالتواطؤ مع بعض العواصم الخليجية إلى إيصال اللقمة إلى فم الشعب الفلسطيني، ومن ثم سحبها في حال رفض التسوية السياسية، ربما يعتقد ترامب وأعوانه أن مؤتمر البحرين هو ذكاء، لكنه في الحقيقة ذكاء مفضوح، ولعل معارك الأمعاء الخاوية التي خاضها الأسرى الفلسطينيون خير دليل على عدم قبول الشعب الفلسطيني بهذا النوع من التسوية.

وللأسف، لن تكون انطلاقة صفقة القرن من عاصمة عربية فحسب، بل إن التمويل سيكون عربياً أيضاً.

وهناك العديد من العواصم ستظهر حرصها الاقتصادي على الشعب الفلسطيني رغم أنها مشاركة في تجويعه منذ سنوات، والدعم المقدّم يأتي بأوامر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يطالب العرب دائماً بالدفع، وبالتالي ستكون بعض العواصم مرغمة على الدفع بصرف النظر عن موقفها الأوّلي، كما ستحاول بعض الدول الإمساك بالقرار الفلسطيني من خلال بعض الاستثمارات الاقتصادية وربّما الودائع، ولكن هذا الأمر لأهدف سياسيّة بامتياز. 

 لو كانت هذه الدول حريصة على الشعب الفلسطيني لأعلنت دعمها السياسي، بل العسكري له، ربما يعترض البعض على إمكانية الدعم العسكري خشية العقوبات، وهنا نسأل: أين هي هذه الأموال قبل صفقة القرن؟ لماذا يتم تقديم أموال عربية لشعب عربي عبر الوسيط الأمريكي؟ ألا يرى هؤلاء أن هذه الأموال باعتبارها مقدمة لصفقة القرن هي في الحقيقة ثمن السمّ الذي يريد ترامب أن يقدّمه للشعب الفلسطيني؟ 

واللافت أن الموقف العربي ومنذ العام 1948 كان داعماً (في العلن) للموقف الفلسطيني، أو موزعاً على الفصائل، أي البعض يدعم الجهات التي تفضّل الخيار السياسي (الرئيس الراحل ياسر عرفات، ولاحقاً الرئيس محمود عباس) في حين يدعم البعض خيار المقاومة (حماس والجهاد الإسلامي)، وبالتالي لطالما كان الموقف العربي محاكياً لمواقف أحد الأطراف الفلسطينية على أقلّ تقدير، ولكن ماذا عن الموقف العربي، الخليجي وتحديداً السعودي والإماراتي والبحريني اليوم؟ في الحقيقة، لا يتلاقى الموقف السعودي-الإماراتي مع أيّ من الأطراف الفلسطينية حتى أكثرها قرباً للكيان الإسرائيلي، باعتبار أن الرئيس عباس يرفض التعاطي مع أي تحركات أمريكية في ملف السلام، منذ أن أعلن ترامب في 6 كانون الأول/ ديسمبر 2017، الاعتراف بالقدس عاصمة مزعومة لـ "إسرائيل"، ثم نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس في أيار/ مايو 2018، فهل هكذا تكون نصرة الشعب الفلسطيني؟

يبدو مؤسفاً أن تكون أكبر محاولات التصفية للقضية الفلسطينية تنطلق من عاصمة عربية، وبأموال عربية، ولاحقاً دعم سياسي عربي (نقصد بعض الأنظمة)، وذلك بعد أن فشلت المحاولات السابقة في أوروبا وأمريكا، وأما فيما يخص المؤتمر، فإنه تسوية اقتصادية بمثابة مقدمة طبيعية لتصفية سياسية، وبالتالي يصح تسميته مؤتمر "الاستسلام من أجل الانتحار" بدل "السلام من أجل الازدهار".

في الختام، نعلن انضمامنا إلى كل الأصوات المطالبة بمقاطعة هذا المؤتمر الذي تخطّى جميع الخطوط الحمراء، ونقول لكل الأنظمة إن الرهان على الكيان الإسرائيلي أو حتى الرئيس الأمريكي هو رهان خاسر، والشعوب هي التي ستقول كلمتها الفصل في الوقت المناسب.
رقم : 795744
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي

البريد الإلكتروني
تعليقك

إخترنا لکم