0
الجمعة 23 آب 2019 ساعة 10:13

اتفاق السلام السوداني ومقامرة المعارضة الكبرى

اتفاق السلام السوداني ومقامرة المعارضة الكبرى

بالنظر إلى المواقف السابقة لقوى الحرية والتغيير، كان من المتوقع أن يعارضوا وجود السودان في الحرب اليمنية، لذا فإن السؤال المهم الذي يطرح نفسه، ما هي التغييرات التي تحدث في هيكل السلطة في السودان، والتي تؤدي إلى تبلور مثل هذا النهج تجاه اليمن؟

دور السودان في حرب اليمن

في مارس 2015، أعلن الجيش السوداني مشاركته في التحالف العربي للحرب على اليمن.

قبل الإطاحة بعمر البشير، قدّر عدد هذه القوات السودانية بحوالي 14 ألف جندي، بسبب إخفاء عدد القوات السودانية في اليمن، لكن رئيس المجلس العسكري السوداني "محمد حمدان حميداتي" صرّح في يونيو قائلاً: نحن موجودون إلى جانب السعودية والإمارات، وقواتنا هي أكبر القوات المشاركة في التحالف والتي تضمّ أكثر من 30 ألف جندي.

جوهر هذه القوات هم المسلحون الذين يطلق عليهم "جنجويد"، والذين مارسوا العنف والقمع في دارفور عام 2003.

لقد أعلن السودان أن مشاركته في الحرب على اليمن تأتي بناءً على "قبول المسؤولية الإسلامية عن حماية بلاد الحرمين الشريفين والدين والمعتقدات"، لكن السبب الحقيقي كان انتشار الفقر في السودان ورغبة العسكريين لدعم السعودية والإمارات في التنافس مع المعارضة السودانية.

وفقاً لصحيفة نيويورك تايمز، فإن 40٪ من هؤلاء الجنود والمرتزقة هم مراهقون تدرّبوا على الحدود السعودية وينقسمون إلى وحدات تتألف من 500 و 700 جندي.
ويتقاضى كل جندي مبتدئ 480 دولاراً شهرياً، وكل ضابط ذي خبرة من الجنجويد 530 دولاراً.

والقوات التي تشارك في الحرب لأكثر من ستة أشهر تتلقى 10 آلاف دولار، والعديد من القوات السودانية المشاركة في الحرب اليمنية تشتري منازل في الخرطوم أو تقوم ببعض الاستثمارات متوسطة الحجم في العاصمة والمدن الكبرى عند عودتهم.

تستغل السعودية والإمارات الفقر في السودان إلى أبعد حدّ لتجنيد قوات مرتزقة برية، بحيث ذكرت شبكة الجزيرة في تقرير لها، أن كل عسكري سوداني يتطلع إلى أن يتم اختياره مقاتلاً في اليمن. لكن هذه القوات هي في الواقع دروع بشرية للضباط والقوات السعودية والإماراتية.

وقد كشف بعض منهم أن القوات السعودية والإماراتية ومن خلال سماعات الراديو وأنظمة الجي بي إس التي قدموها إلى قادة هذه القوات السودانية، يصدرون أوامر الهجوم أو التراجع فقط، ولا يشاركون أبداً في المعارك مع السودانيين.

مجلس الحكم والسعودية

من بين 11 عضواً في مجلس الحكم السوداني، هناك خمسة عسكريين، حتى بعد بدء مجلس الحكم عمله، سيكون أول رئيس له هو "عبد الفتاح البرهان" قائد القوات المسلحة السودانية في اليمن. من الأعضاء العسكريين الخمسة الآخرين في مجلس الحكم، هو "محمد حمدان دغلو" المعروف بـ "حميدتي" الذي له علاقة وثيقة جداً مع البرهان، وهو مؤيد قوي للتدخل العسكري السوداني في اليمن.

يعتبر مجلس الحكم صانع القرار الرئيس للسياسة الخارجية ولديه أيضاً الصلاحية لإعلان الحرب.

تلعب السعودية دوراً مهماً في تطورات السودان، وكانت من قبل قد مهّدت الأرضية لوجود القوات الموالية له في هيكل السلطة. وفي هذا الصدد، كتبت صحيفة "الراکوبة" السودانية في أوائل يونيو: لقد اقترح بن سلمان الدعم الكامل للسودان مقابل بقاء القوات السودانية في التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن.

وتحاول السعودية أيضاً حرف ثورة الشعب السوداني مثل "الربيع العربي"، والمتاجرة باليمن مع العسكريين الذين يلعبون دوراً رئيسيً في التطورات السودانية.

وذكرت صحيفة القدس العربي الأسبوع الماضي أن حميدتي توصل إلى اتفاق مع السعودية لإرسال 6 آلاف جندي جديد بعد عيد الأضحى.

كما تحدّث قبل يومين وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية "عادل الجبير" عن رغبة السعودية في إزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب على مدار فترة زمنية.

في الواقع يمكن اعتبار إعلان المعارضة قبول استمرار الوجود العسكري السوداني في الحرب اليمنية أهم تنازل للسعودية والإمارات، كداعمين رئيسيين للمجلس العسكري لدفع الجيش لقبول تشكيل مجلس الحكم.

التغييرات في هيكل السلطة

السودان الذي يبلغ عدد سكانه 40 مليون نسمة، يصل ناتجه المحلي الإجمالي إلى 33 مليار دولار، وقد قدّمت السعودية والإمارات حتى الآن أكثر من 3 مليارات دولار من المساعدات بسب مشاركته في الحرب على اليمن، وهو المبلغ الذي يشكل 10 في المئة من إجمالي الناتج المحلي للسودان.

وبالتالي، فإن قطع هذه المساعدات عن الاقتصاد السوداني سيكون بمثابة صدمة وتحدٍ اقتصاديين مؤقتين، وأول تأثير له يتمثل في إزالة العسكريين من هيكل السلطة في السودان خلال الفترة الانتقالية.

من ناحية أخرى، يحاول العسكريون الحصول على دعم الأحزاب المعارضة للحرب على اليمن والشعب، من خلال إيداع جزء من المساعدات السعودية والإماراتية إلى البنك المركزي السوداني. وقد خلقت هذه المساعدات السعودية والإماراتية نوعاً من التبعية في الهيكل الاقتصادي والسياسي في السودان بشكل معقد، تجعل أحزاب الائتلاف بالإضافة إلى العسكريين موالين لهذين البلدين.

قبل توافق العسكريين وائتلاف قوى الحرية والتغيير، عارضت أحزاب الائتلاف مثل حزب المؤتمر السوداني، حزب الأمة القومي، الحزب الاشتراكي والمؤتمر الشعبي، مشاركة السودان في الحرب اليمنية. 

كان حزب الأمة القومي السوداني أكبر الأحزاب المعارضة للبشير، حتى أن صادق المهدي زعيم هذا الحزب قد دعا إلى إنهاء الحروب بين الدول الإسلامية ووحدتهم في مواجهة الكيان الإسرائيلي، لكن موقف إبراهيم الأمين نائبه في الحزب يشير إلى وجود تناقض في استراتيجية الحزب، وخطأ استراتيجي لدى بعض أحزاب ائتلاف قوى الحرية والتغيير الأخرى.

حيث قال إبراهيم الأمين قبل أيام من إعلان دعمه لوجود السودان في حرب اليمن، إن السودان يعيش في منطقة محاطة بالتهديدات، والبحر الأحمر مستعد للنزاعات الدولية ويستضيف عدداً كبيراً من القواعد العسكرية، وهذا يشكل تهديداً مباشراً لكلا جانبي البحر الأحمر، سواء في السودان أم في السعودية أم في دول الشرق والغرب.

لكن الواقع هو أن السودان ليس له مصالح في الحضور العسكري في اليمن، والاستمرار في مشاركته في التحالف قد يهدد الأمن السوداني، وابتعاد السياسة الخارجية عن المصالح الحيوية للسودان خلال الفترة الانتقالية وحتى بعدها.

كما أن هذا الأمر سيقوّض مصداقية السودان الدولية بعد التغييرات السياسية الجديدة.
من ناحية أخرى، فإن هذا الخطأ لأحزاب الائتلاف يسبب خلافاً بينها ويضعف مكانة الائتلاف لمصلحة المجلس العسكري، ذلك أن العسكريين، وعلى الرغم من وعودهم السابقة، ليست لديهم رغبة في ترك السياسة، ويتحينون الفرص لتهميش الأحزاب الائتلافية الرئيسية، وهي نفس الأحزاب التي أطاحت بعمر البشير.

ولكن الحقيقة المهمة هي أن الشعب السوداني يريد تغييرات أساسية في السودان وسياسته الخارجية، وإذا كان التحالف مع السعودية والإمارات سياسةً ناجحةً، فمن المؤكد أن عمر البشير كان في السلطة الآن.

من ناحية أخرى، فقد حدثت هنالك خلافات حادة بين الإمارات والسعودية في حرب اليمن، ويتزايد الضغط الدولي لإنهاء هذه الحرب يوماً بعد يوم، وهذا سيضعف في المدى المتوسط موقع العسكريين الذين قامروا على اليمن.
رقم : 812215
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي

البريد الإلكتروني
تعليقك

إخترنا لکم