0
الجمعة 10 كانون الثاني 2020 ساعة 13:27

البعد العالمي في القرآن الكريم

البعد العالمي في القرآن الكريم
والمتخصصون في علوم القرآن وعوالم التأويل وحقائق التفسير أولئك وحدهم الذي يصح لهم فنياً خوض غمار هذا البحر المتلاطم الأمواج ، فيغوصون إلى أعماقه الرهيبة ملتقطين غرر جواهره ، ومكتشفين كنوزه الثمينة ومع مسيرة الاجيال المتحررة يتبلور الجديد النابض من عطاء القرآن ، ويتمحور المجهول في كشوفه الابداعية ، فتتقاطر الأسرار الإلهية زاخرة بالمثل العليا .

القرآن كتاب هداية وتشريع لا شك في هذا ، ولكنه كتاب استقراء لمجاهيل الكون ، وأثباج الطبيعة ، ومفاوز الفضاء ، ومسالك ما تحت الأرض ، وهو أيضاً المصدر الحقيقي الدقيق لتأريخ الديانات السماوية ، وحياة الرسل والأنبياء والشهداء والصديقين ، وهو كذلك النموذج الأرقى في استيعاب مشكلات الأزمنة المتناقضة بين السلب والايجاب ، يجد حلولها ، ويوفر علاجها .
هذا المنظور الرائع للقرآن يوحي بعالمية القرآن ، وهذا الفهم الرصين لمناخ القرآن يقضي بإنسانية رسالته بعيداً عن النظرة الاقليمية الضيقة ، وهذا الواقع المعاصر في تقييم القرآن هو الذي يؤكد حقيقة الصيغ العالمية في مفاهيم القرآن .

في ضوء هذا المنطلق الرحيب نقول مطمئنين :

إن القرآن وإن كان عربي النص إلا أنه عالمي الدلالية ، وهو وإن إنساني الرسالة إلا أنه عربي العبارة . وهو مع هذين الملحظين التكوينيين يبقى شامخاً بلمح من عربيته المحضة الفصحى ، لأن عربيته الخالصة يمكن فيها الكثير من معالم إعجازه بل الاعجاز البلاغي فيه هو الوجه الناصع لملامح الاعجاز المتعددة الظواهر ، وبإنضمامه إلى إعجازه التشريعي والغيبي والاجتماعي والعلمي والاحصائي والصوتي والكوني والاقناعي يترشح نظام الاعجاز الكلي في القرآن .

ولما كان الاعجاز بهذا المستوى التكاملي في شتى المجالات كان القرآن بالمستوى العالمي في بعده الموضوعي .

والبعد العالمي في القرآن محور مستفيض من محاور البحث العلمي المتجدد ، والخوض في مشتقاته الفعلية يستدعي التفرغ إلى عمل أكاديمي متطور ينهض بمؤلف ضخم يلم شتاته ، ويجمع متفرقاته ، ويستقرئ جزئياته .

والخطوط الأولية للموضوع قد تعطي ثمارها التوفيقية ضمن إطار أولي محدد يعنى بالتركيز على ظواهر عالمية القرآن ضمن الاشارة الموحية ، والادراك الفاحص في جملة من المحاور الآتية :

أولاً : إن عالمية الاسلام تعني بالضرورة عالمية القرآن ، وذلك أن القرآن هو رسالة الاسلام ، وهذه العالمية المبرمجة قد خطط لها القرآن نفسه بما لا يقبل الشك في كل آياته التي تشير إلى عالمية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته للبشرية جمعاء . قال تعالى :

( قُل يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ آللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ) الأعراف / 158 ، والآية في مقام الأمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في إشعار الناس كافة بالقول لهم أنه رسول الله إليهم ، ومعنى هذا عالمية رسالته ، وإستقطابها شعوب الأرض ومختلف الأمم ، فمحمد بهذا رسول الله إلى الأبيض والأسود والأحمر والأصفر ،وهوؤلاء هم الناس ورسالته شاملة لأفرادهم ، مستغرقة لأجناسهم دون اختصاص بقوم عن قوم ، ولا أمة دون أمة ، يعضده قوله تعالى : ( وَمَا أَرسَلنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً ) سبأ / 28 . فإذا جمعنا له قوله تعالى : ( وَمَا أَرسَلنَاكَ إِلاَّ رَحمَةً لِّلعالَمِينَ « 107 » ) الأنبياء / 107 ، خلص لنا أنه رسول البشرية ، وما إرساله إلا رحمة للعالمين ، وهذا الارسال يحمل في طياته ملامح البشارة الرضية المرضية ، وصرخة النذارة الهادرة المدوية ، ذلك ما يعلنه قوله تعالى : ( إِنَّآ أَرسَلنَاكَ بِالحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً ) البقرة / 119 . ويؤكده قوله تعالى : ( يَأَيُّهاَ آلنَّبِيُّ إِنَّا أَرسَلنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِراً وَنَذِيراً « 45 » ) الأحزاب / 45 .

وهنا تضاف الشهادة إلى البشارة والنذارة لتتم حلقة الوصل العالمية في التدرج البياني ليصل إلى ذروته في التبليغ بقوله تعالى : ( وَأَرسَلنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللهِ شَهيداً ) النساء / 79 . وقد وضع الله تعالى على الناس ذاته القدسية شهيداً على هذا الارسال العالمي .

ثانياً : والمنطلق البارز في تشخيص عالمية القرآن نصاً ومضموناً تأكيد القرآن على خطاب الناس ـ كل الناس ـ في تعليماته الإلهية ؛ وهذا المنطلق يتحدث فيه القرآن إلى الناس في مختلف شؤونهم ، ويدعوهم بعامة إلى الأخذ بالأصلح من الأنظمة ازاء تدوير الواقع البشري المتقلب ليقف به على مرفأ الأمان ، ويستقر مستوياً بشاطيء الخلاص ، وأول ما يدعوهم إليه سنن التوحيد المطلق في ظلال ملكوته

قال تعالى : ( يَأَيُهَا النَّاسُ اعبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ) البقرة / 21 ، يدعم ذلك الملحظ بالكتاب الذي أخرج كل الناس إلى النور . . ( الر كِتاَبٌ أَنزَلنَهُ إِلَيكَ لِتُخرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ) إبراهيم / 1 . ويوجه هؤلاء الناس نحو الله بإعتبارهم مضطرين له ، فقراء إليه ، وهو في غنى وعز ومنعة عنهم ، يُحمد بغناه ، ويعبد لآياته : ( يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الفُقَرَاءُ إِلىَ اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِىُّ الحَمِيدُ « 15 » ) فاطر / 15 . وإذا كان الناس بهذه الفاقة ، محتاجين ولا يحتاج إليهم ، فحري بهم أن يتجهوا نحو الله في الشؤون والشجون والآمال ، ولا يتكلوا على الأحلام والأماني ، فوعد الله حق ، ووعد غيره الغرور . قال تعالى : ( يَأَيُّهاَ النَّاسُ إِنَّ وَعدَ اللهِ حَقٌ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنيَا ) فاطر / 5 ، ولا يقف القرآن عند هذا الحد في تذكير الناس وتحذيرهم ، وتقويمهم ومتابعتهم ، بل يتسع في الحديث إليهم ، بما خولهم به الحياة الدنيا ، وما أسبغه عليهم من نعم ظاهرة وباطنة ، وما سخره لهم من أكوان وأديان وظواهر تصب في محيط واحد هو سعادة الناس في دنياهم ، وسلامتهم من الأهوال في آخراهم ، كل أولئك يتمثل في مراصد قرآنية أبرزها :
1 ـ الايحاء بإدراك نعم الله التي لا تحصى ، والتذكير بآلائه التي لا تستقصى ، بما في ذلك النعم المادية والمعنوية .

قال تعالى : ( يَأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيكُمْ ) فاطر / 3 .
وقال تعالى : ( وَاذكُرُوا نِعمَتَ اللهِ عَلَيكُم وَمَا أَنَزَلَ عَلَيكُم مِّنَ الكِتاَبِ ) البقرة / 231 .
وقال تعالى : ( وَاذكُرُوا نِعمَتَ اللهِ عَلَيكُمْ إِذ كُنتُمْ أَعدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ) آل عمران / 103 .

وقال تعالى : ( وَاذكُرُوا نِعمَةَ اللهِ عَلَيكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ ) المائدة / 7 .
وقال تعالى : ( وَاشكُرُوا نِعمَتَ اللهِ إِن كَنتَمْ إِيَّاه تَعْبُدُونَ ) النحل / 114 .
وقال تعالى : ( وَإِن تَعُدُّوا نِعمَتَ اللهِ لاَ تُحصُوهَا إِنَّ آللهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ « 18 » ) النحل / 18 .
وقال تعالى : ( وَأَسبَغَ عَلَيكُم نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) لقمان / 20 ،
حتى قوله تعالى : ( اليَومَ أَكمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم وَأَتْمَمتُ عَلَيكُم نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دِيناً ) المائدة / 3 .

هذا الحشد الهائل من التأكيد على النعمة يوحي بعظمة قدرها ، وسبوغ رحمتها ، وشيوع مفرداتها ، وشمول ظلالها للناس كافة .
2 ـ الأمر على نحو الاباحة بالتمتع بما خلق الله من الأرزاق الكائنة فيما تنبت الأرض ، وما يخرج منها ، وما يربو فيها ، وما باركه من ثمرها وشجرها ومرافقها وأنهارها ومناخها مما جعله مسخراً للانسان لتيسير مرافق الحياة ، وهو الذي يسره وسخره وفجره وجعله سائغاً هنيئاً مريئاً .

قال تعالى : ( يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي آلأَرضِ حَلَلاً طَيِباً ) البقرة / 168 .
وقال تعالى : ( كُلُوا وَاشرَبُوا مِن رِّزقِ اللهِ وَلاَ تَعثَوا فِي الأَرضِ مُفسِدِينَ ) البقرة / 60 .
وقال تعالى : ( أَنفِقُوا مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخرَجنَا لَكُم مِّن الأَرضِ ) البقرة / 267 .
وقال تعالى : ( وَلَقَد مَكَّنّاَكُم فِى الأَرضِ وَجَعَلنَا لَكُم فِيهَا مَعَيِشَ ) الأعراف / 10 .
وقال تعالى : ( وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزقٍ فَأَحيَا بِهِ الأَرضَ بَعدَ مَوتِهَا ) الجاثية / 5 .
وقال تعالى : ( وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزقُهَا ) هود / 6 .

وقال تعالى ( هُو أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرضِ وَاستَعمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ) هود / 61 .
وقال تعالى : ( وَفِي الأَرضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعنَابٍ وَزَرْعٌ ) الرعد / 4 .
وقال تعالى : ( وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى الأَرضِ مُخْتَلِفاً أَلوَنُهُ ) النحل / 13 .
إن هذا التأكيد على الأرض وما أخرج منها إنما يكون للبشر كافة فهو الذي أنشأهم منها ، وهو الذي رزقهم فيها ، وهو الذي سخرها لهم .

3 ـ بعد ما سيره القرآن من النعم وإستثمار الأرض ، وما أظهره له من التوسع وبحبوحة النعيم حذرهم الله ظلمهم في الحياة الدنيا ، وأنذرهم العذاب في الحياة الأخرى ، ووجه العناية بهذا الملحظ ليكف الناس عن الباطل ، وليتوجه الجمع نحو الحق .
قال تعالى : ( وَلَو يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيهَا مِن دَابَّةٍ ) النحل / 61 .
وقال تعالى : ( وَيَومَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيهِ يَقُولُ يَالَيتَنِي اتَّخَذتَ مَعَ آلرَّسُولِ سَبِيلاً *) الفرقان / 27 .

وقال تعالى : ( وَكَم قَصَمْنَا مِن قَريَةٍ كَانَت ظَالِمَةً ) الأنبياء / 11 .
وقال تعالى : ( وَكَذَلكِ أَخذَ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ ) هود / 102 .
وقال تعالى : ( وَلَو تَرَى إِذِ آلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ المَوتِ ) الأنعام / 93 .
وقال تعالى : ( وَلاَ تَحسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعمَلُ الظَّلِمُونَ ) إبراهيم / 42 .
وقال تعالى : ( وَمَا كُنَّا مُهلِكِي القُرَى إِلاَّ وَأَهلُهَا ظَالِمُونَ ) القصص / 59 .
وقال تعالى : ( وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ) البقرة / 270 .

وقال تعالى : ( وَاللهُ لاَ يَهْدِى القَومَ الظَّالِمِينَ ) آل عمران / 86 .
وقال تعالى : ( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَينَهُم أَن لَّعنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) الأعراف / 44 .
وقال تعالى : ( فَانظُر كَيفَ كَانَ عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ ) يونس / 39 .

وهذا التقريع على الظلم ، والوصف له ، والتحدث عن مآله لا يخص مجتمعاً دون آخر ، ولا يختص بأمة دون أمة ، فهو موجه للناس كل الناس للابتعاد عن معالمه ومهالكه .
4 ـ ويتحدث القرآن عن الظواهر الكونية ، والآيات السماوية ويجعل من ذلك مناراً لأولى النهى ، وحديثاً للتدبر والتفكر والتبصر والاعتبار لذوي الألباب والعقول :
قال تعالى : ( الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِم وَيِتِفِكَّرُونَ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ رَبَّنَا مَا خَلَقتَ هَذَا بَطِلاً سُبحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * ) آل عمران / 191 .
وقال تعالى : ( اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَ اسْتَوَى عَلَى العَرشِ وَسَخَّرَ الشَّمسَ وَالقَمَرَ كُلٌ يَجرِي لأَجَلٍ مُّسَمّىً ) الرعد / 2 .
وقال تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ آثْنَيْنِ يُغْشِي الَّليْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِقَومٍ يَتَفَكَّرُونَ * ) الرعد / 3 .
وقال تعالى : (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرقَ خَوفاً وَطَمَعاً وَيُنشِيءُ بلسَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ آلرَّعدُ بِحَمْدِهِ وَالمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرسِلُ آلصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُم يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيِدُ المِحَالِ * ) الرعد / 12 ـ 13 .

وقال تعالى : ( قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَمَا تُغنِي الأَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَومٍ لاَّ يُؤمِنُونَ * ) يونس / 101 .

وقال تعالى : ( وَءَايَةٌ لَّهُمُ آلَّليلُ نَسلَخُ مِنهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظلِمُونَ * وَالشَّمسُ تَجرِي لِمُستَقَرٍ لَّهَا ذَلِكَ تَقدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ * وَالقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالعُرجُونِ القَدِيمِ * لاَ الشَّمسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدرِكَ القَمَرَ وَلاَ الَّليْلُ سَابِقٌ آلنَّهَارِ وَكُلٌ فِي فَلَكٍ يَسبَحُونَ *) يس / 37 ـ 40 .

وقال تعالى : ( يَسئَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَللحَجِّ ) البقرة / 189 .
إن هذه الإرهاصات في عالم السموات والأرض والعرش والشمس والقمر ومد الأرض وخلق الرواسي واصطفاق الأنها وزوجية الكائنات والثمرات وحياة الشمس والقمر والأهلة ، كل أولئك ما سخره الله للناس بعامة ، وللمؤمنين بخاصة بقصد الاعتبار والاستبصار .
5 ـ وأخيراً أمر القرآن الناس بدرء الفساد والمكر في الأرض ، ونعى جريمة القتل ، فآعتبر قتل النفس قتلاً للناس ، وعد إحياء الفرد الانساني إحياء للناس أيضاً ، وبذلك تتكامل الصورة العالمية للقرآن في أرسخ حدودها الأفقية :

قال تعالى : ( مِن أَجلِ ذَلِكَ كَتَبنَا عَلَى بَنِي إِسرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفسًا بِغَيرِ نَفسٍ أَو فَسَادٍ فِي الأَرضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَن أَحيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحيَا النَّاسَ جَمِيعاً ) المائدة / 32 .

وقد يكون هذا القتل وذلك الإحياء مادياً أو معنوياً ، وكلاهما واردان في مقام التفصيل ، والتعليل ليس هذا موقعه .

6 ـ ولك أن تعجب كل العجب لترى القرآن يجعل أهم شعيرة من شعائره وهو الحج ، والبيت الحرام وهو أول بيت وضع للناس ، والأذان إلى الحج كل أولئك للناس كافة لا للمسلمين وحدهم

قال تعالى : ( وَللهِ عَلَى النَّاس حِجُّ البَيتِ مَنِ استَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلاً ) آل عمران / 97 .
والحج كما يجب على المسلمين ، فإنه واجب على الكافرين ، إلا أن الكافر يجب عليه الحج ولا يصح منه لا شتراط الايمان في الأداء ،

وقال تعالى : ( وَإِذا جَعَلنَا البَيتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمناً ) البقرة / 125 .

وقال تعالى : ( وَأَذَنٌ مِّنَ آللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَومَ الحَجِّ الأَكبَرِ ) التوبة / 3 .
ثالثاً : وتتأكد عالمية القرآن في اطار إهتماماته القصوى بالانسان ، فهو يتابعه ويلاحقه منذ خلقته وتكوينه وولادته حتى حياته ومعاشه إلى حين وفاته ومدفنه ونشره وحشره وعاقبته ، ومعنى هذا أن القرآن ذو عناية خاصة بمسيرة الكائن الانساني منذ البداية وهو معنيٌّ أيضاً بمصير الانسان الجماعي حتى النهاية .

ففي خلق الانسان وإيجاده خليفة في الأرض ، هناك مدركان بارزان : المدرك الابداعي في التكوين الخلقي من الأرض ، كخلق آدم عليه السلام ؛ والمدرك الرتيب في الخلق عن طريق التزاوج فالتناسل ، وفي هذه المسافة المتباعدة بين الخلقين قد اختصرت الحقيقة التكوينية كلها .

وقال تعالى : ( إِذ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلاَئِكَةِ إِنيِ خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينِ * ) ص / 71 .
وقال تعالى متحدثاً عما تحقق : ( وَلَو تَرَى إِذِ المُجرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِم عِندَ رَبِّهِم رَبَّنَا أَبصَرنَا وَسَمِعنَا فَارجِعنَا نَعمَل صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ * ) المؤمنون / 12 .

فبين تعالى الأصل في الخلق من الطين ، وهو عنصر أرضي يحمل بين طياته عناصر أرضية أخرى ، فهو مجموعة عناصر تتمثل فيها الأرض بمركباتها ، وهو البداية الابتداعية لهذا الايجاد المتباعد الأطراف في التركيب والتكوين والتأسيس بما يستوعبه هذا الكلي العام من ملايين الجزيئات المعقدة في العدد والكمية والوزن والمدارك جسمياً وعقلياً ونفسياً وتصويراً وتخييلاً وقابليات ومعدات وأجهرةٌ وتجاويف وعصيات وحفيات وأقواس وجينات وخلايا وأعصاب وعضلات ما ظهر من ذلك وما خفي مما لا يحيط به الادراك الحسّيّ كثيراً . والذي أجمله تعالى بقوله :
( الَّذِي أَحسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ *ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رَّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمعَ وَالأَبصَرَ وَالأَفئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشكُرُونَ *) السجدة / 7 ـ 9 .

ولنقف قليلاً عند الآية الأولى التي تتحدث عن الملحظ الإيجادي في الخلق لا على نحو المثال ، ولا على صيغة من وجود سابق ، إذ لا وجود هناك لهذا المخلوق الجديد لأنه بعد لم يوجد ، فلما وجد قيل له بأنه الانسان .

قال تعالى : ( هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهرِ لَمْ يَكُن شَيئاً مَّذكُوراً *) الانسان / 1 .
والتفسير الأولي أن الانسان جسد وروح ، أي أنه مركب من حقيقتين متغايرتين ، وحينما إتحدا كان الانسان كائناً حياً ، فإذا افترقا كان هذا الانسان نفسه ميتاً وعاد جثماناً ، وهذا وإن كان صحيحاً في حد ذاته ، ومقدماته تبني عن نتائجه ، إلا أن القرآن العظيم يومي إلى أبعد من هذا تحديداً حينما جعل الانسان حقيقة واحدة ، فهو إنسان بروحه وبدنه ، وهو أنسان حين مفارقة روحه لبدنه ، فمثله كمثل الماء والتراب حينما يكونان حقيقة واحدة عند التماسك أو عند الانحلال .

وقوله تعالى : ( قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ آلمَوتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُم ) السجدة / 11 .

فيه دلالة على أن الانسان هو نفس الانسان ، فإذا اتصلت الروح بجسده فهو حيٌّ ، وإذا انفصلت عنه فهو ميت ، إذن هو إنسان في الحالين ، والنص القرآني في مجموعة دلالاته « يفيد أن الروح التي يتوفاها ويأخذها قابض الأرواح هي التي يعبر عنها بلفظة « كم » وهو الانسان بتمام حقيقته لا جزء من مجموع » (1) . ويصور هذا الملحظ « لم يكن شيئاً مذكوراً » . فهذا الانسان بالطريق الاعجازي في الخلق إنما كان طيناً لازباً يندك في طول هذه الارض وعرضها ، فلم يكن ذا ذكر فهو غير متعين ولا محدد ، وهو حينما صور هذا التصوير البديع ، في خلقه الأول ، وولجته الروح بأمره تعالى ، عاد إنساناً معلوماً

وموجوداً فكان مذكوراً ، فهو باللحاظ الأول شيء غير مذكور ، وهو باللحاظ الثاني كيان مذكور ، وهذا ما تفسره رواية الإمام الباقر عليه السلام : قال : « كان مذكوراً في العلم ، ولم يكن مذكوراً في الخلق » (3) . وفي رواية أخرى عنه عليه السلام رواها زرارة بن أعين في تفسير جزء الآية ، يقول الباقر عليه السلام : « كان شيئاً ولم يكن مذكوراً » (4) . فالانسان كان شيئاً في علم الله وتقديره ، وإن كان معدوماً بعد لم يوجد ، ثم صار شيئاً مذكوراً بعد خلقه وتكوينه ، سواءً أنظرنا في ذلك إلى الطريق الاعجازي في الخلق ، أو الطريق الفطري في التكوين المتسلسل المنظور إليه في قوله تعالى : ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحسَنِ تَقوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسفَلَ ساَفِلِينَ * ) التين / 4 ـ 5 .

وهذا أيضاً طريق إعجازي محض أن يخلق من هذه المادة الميتة إنساناً متكاملاً في أحسن تقويم فكان ذا هيئة حسنة ، وصورة مترفة ، وروعة نادرة ، حتى عاد مستوياً أيام شبابه ونضارته مثلاً ، ثم ردّ إلى الهرم والشيخوخة ، وورد مورد العجز والكبر ، فتسافل في خلقه من قوة إلى ضعف ، ومن نضارة إلى إنهدام ، ومن جمال الفتوة إلى تلاشي القوة ، فبعد أن كان ذا هيئة مشرقة وضاءة إستبدلها بالكبر والانحناء والخور .
رقم : 837657
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي

البريد الإلكتروني
تعليقك

إخترنا لکم