0
الثلاثاء 14 تموز 2020 ساعة 13:53

المصادر الرئيسية في تفسير القرآن الكريم

المصادر الرئيسية في تفسير القرآن الكريم
وهكذا يتضح ان الرسول(ص) مبلغ ومبين للقرآن، مبين بقوله وفعله وتقريره. وقد درس العلماء البيان النبوي دراسة علمية مستفيضة في علم اصول الفقه في مباحث علاقة السنة بالكتاب.

ويقسم البيان النبوي للقرآن الكريم الى قسمين:

1- بيان المعنى: فقد فسر رسول اللّه(ص) معنى القرآن وايضاح ما قد اشكل فهمه على ذلك الجيل الذي كان يتحدث بلغة القرآن، ويفهم الفاظه وخطابه اللغوي.
2- بيان الجانب التطبيقي والمصداقي: وكما وضح رسول اللّه(ص) معاني القرآن ومقاصده العامة، عند عدم وضوحها، قام بتطبيق احكامه وتشريعاته في مجال العبادات والقوانين والانظمة الاجتماعية، كاحكام الصلاة والحج والزكاة والميراث.فعرف المسلمون المقصود التطبيقي ومصداق الايات.

فالسنة هي التي بينت لنا، تطبيقيا، كيفية التيمم الذي ورد في قوله تعالى: (فان لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) وهي التي بينت لنا تفصيلات احكام الزكاة بنسبهاواعيانها الزكوية... الخ.


فقد جاء تشريع الزكاة مجملا في قوله تعالى: (خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها...).

والرسول(ص) هو الذي بين للامة ما المقصود بقوله تعالى: (انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا).

فقد روى المفسرون عن ام سلمة زوج الرسول(ص): (ان الرسول(ص) كان في بيتهاعلى منامة له، وعليه كساء خيبري، فجاءت فاطمة ببرمة فيها خزيرة، فقال رسول اللّه(ص): ادعي زوجك وابنيك حسنا وحسينا فدعتهم، فبينما هم ياكلون اذ نزلت على رسول اللّه(ص): (انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) فاخذ النبي(ص) بفضلة ازاره فغشاهم اياه، ثم اخرج يده من الكساء، واوما بها الى السماء ثم قال: اللهم هؤلاء اهل بيتي وخاصتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراقالها ثلاث مرات، قالت ام سلمة: فادخلت راسي في الستر فقلت: يارسول اللّه(ص)وانا معكم؟ فقال: انك الى خير، مرتين...)((1)).

وبعد مرحلة النبوة والوحي جاءت مرحلة الصحابة فكانت لهم تفاسير وآراء فيما لم يرد فيه بيان نبوي واضح، وكان من ابرز من كان لهم بيان وتفسير، هم: الامام علي(ع)،وعبد اللّه بن مسعود، وعبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن عمر، وغيرهم. ثم جاء من بعدهم من التابعين فكانت لهم آراء وتفسيرات.

ومن الواضح ان هذه التفسيرات كانت تختلف وتتباين احيانا، فما هو المرجح لتفسيرعلى آخر؟ ومن هو المرجع في التفسير عند الاختلاف اذن؟

وتلك مسالة علمية وعقيدية ترتب عليها بناء وامتداد فكري واسع في الامة، بل وساهم الجواب على هذين السؤالين في بنية وتكوين المذاهب الفكرية والفقهية والاتجاهات السياسية لدى المسلمين.

ويمكننا ان نلخص هذه الاتجاهات في اتجاهين اساسيين هما:

1 اتجاه يساوي في القيمة العلمية بين ما صدر عن الصحابة جميعا ثم التابعين من تفسير وبيان قرآني.

2 اتجاه يؤمن بان الامام عليا(ع) ومن بعده الائمة من ذريته هم المرجع عندالاختلاف في فهم القرآن وتفسيره وهم اتباع اهل البيت(ع) (اي شيعتهم)، وان ماصدر عنهم من تفسير وبيان قرآني هو الحجة على الاخرين، وهو الرافع للاختلاف،واستدلوا على ذلك بيات وروايات عديدة كقول الرسول(ص): «اني اوشك ان ادعى فاجيب، واني تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه عزوجل وعترتي، كتاب اللّه حبل ممدود من السماء الى الارض، وعترتي اهل بيتي، وان اللطيف الخبير اخبرني انهما لن يفترقاحتى يردا علي الحوض، فانظروا بم تخلفوني فيهما»((2)).

وكقوله(ص) لعلي(ع): «ان اللّه امرني ان ادنيك ولا اقصيك، وان اعلمك وتعي، وحق على اللّه تعالى ان تعي، فنزلت: (وتعيها اذن واعية)((3)).

وروى ابن عباس: ان رسول اللّه(ص) دعا لعلي(ع) بقوله: «اللهم فقهه في الدين،وعلمه التاويل »((4)).

وروى ابو بكر بن عياش محمد نصير بن سليمان الاحمسي عن ابيه عن علي قال: «واللّهما نزلت آية الا وقد علمت فيم نزلت،واين نزلت. ان ربي وهب لي قلبا عقولا، ولساناسؤولا»((5)).

اللغة والتفسير:

قال اللّه تعالى: (وما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين لهم)((6)).
(لسان الذي يلحدون اليه اعجمي وهذا لسان عربي مبين)((7)).
(فانما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قومالدا)((8)).

ان المعجزة الكبرى التي تحدت العرب، رغم مالديهم من بلاغة وفصاحة وتفوق ادبي، هي القرآن الكريم، والقرآن هو الخطاب الالهي الذي نزل على قلب النبي الامين محمد(ص) بلسان العرب ولغتهم، لتفهيم المخاطبين، وتيسير فهمه لهم.

قال تعالى موضحا هذه الخصيصة: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) وبذاصار القرآن حجة على العرب المخاطبين به، لوضوح خطابه لديهم، فان تعذر بيان شيء لم يالفوه من المعاني والمسميات، بينه الرسول(ص) لهم باتم بيان.

والتفسير كما عرفنا، هو بيان مراد اللّه تعالى من كتابه، وهذا المراد معبر عنه بلغة عربية فصحى، لذا فان من عرف العربية بمستوى معرفتها في عصر الوحي، يستطيع ان يفهم القرآن الا ما كان فهمه يحتاج الى بيان من خارج حدود اللغة.

وتاسيسا على ذلك اعتبر علماء اصول الفقه الامامية الظاهر القرآني حجة، وثبتوا قاعدة علمية لفهم القرآن وتفسيره،واكتشاف الاحكام والمفاهيم بعنوان: (حجية الظهور).
فليس القرآن رموزا باطنية، ولا اشارات معقدة، كما ذهب الباطنيون الى ذلك، اذ ردعليهم الفقهاء هذا المذهب، وقالوا بحجية الظاهر القرآني، واستدلوا لحجية الظاهرالقرآني اي ما يفهم من ظاهر اللفظ والسياق القرآني وفق اصوله العربية انه حجة بادلة كثيرة موضحة في مواردها من علم اصول الفقه.

وفي دراسة اللغة واثرها في التفسير تبرز امامنا عدة موضوعات هي:

1- الترادف.
2- الاشتراك.
3- الاعراب وموقع الكلمة المفردة والجملة من الكلام.
4- فهم معنى المفردة القرآنية.
5- القراءة.
6- الحقيقة والمجاز.

ولنتناول تلك الموضوعات بشي ء من التفصيل ليتضح لنا كيف تعاملت مدرسة اهل البيت مع المعنى القرآني من خلال اللغة، وكيف وظفت تلك الاداة في اكتشاف المعنى وفهمه.

1- الترادف:

من الواضح ان المفردات اللغوية هي وحدات البناء اللغوي، وان للالفاظ دلالات وضعية على المعاني المراد التعريف بها، وان من الظواهر المالوفة في لغة العرب ظاهرة الاشتراك في المعنى، وهو مايسمى اصطلاحا ب (الاشتراك) اي استعمال اللفظ في اكثر من معنى. كما نجد في اللغة العربية استعمال لفظين لمعنى واحد ويسمى(بالترادف)، كالغيم والسحاب، والعقل والنهى، والريب والشك، والبارئ والخالق.والاعتماد على المرادف اللغوي هو منهج اساسي من المناهج المتبعة في تفسيرمفردات القرآن الغريبة، ومن الامثلة العملية على وجود الترادف، وتفسيره بالمرادف، هو تفسير ابق ب (هرب)،وتفسير تفثهم ب (وسخهم)، وتفسير إجاج ب(شديد الملوحة)، وتفسير لاريب فيه ب(لاشك فيه).

وهكذا فسرت الفاظ القرآن المفردة ذات الدلالة الغريبة على القارئ والسامع بمفردة لغوية اخرى مالوفة المعنى عنده.

 ولهذا الغرض اءلفت تفاسير: (مفردات غريب اءلفاظ القرآن) لبيان معانيها ودلالاتها، كمفردات الراغب الاصفهاني، وغريب القرآن للسجستاني، وغريب القرآن لابي عبيدة، وغريب القرآن لابن قتيبة وغيرها كثير.

وفي الحديث عن تفسير المفردة القرآنية بمفردة اخرى مرادفة لها ينبغي دراسة وتحليل محتوى اللفظ، وتحديد معناه الذي حمله الواضع اياها. وبالتحديد ينبغي ان تدرس هذه الالفاظ المترادفة، هل هي متكافئة في معناها بشكل كامل كما تتكافا قطع النقود من فئة واحدة؟ او كما تتكافا قطع الغيار المتعددة في اداء العمل في الماكنة الواحدة، بحيث يتحقق تمام الغرض القرآني عند استعمال اي من المفردات او لا؟

لكي يتضح لنا ذلك فلنصغ الى الراغب الاصفهاني احد اعلام مفسري مفردات القرآن،ومن اوائل المؤلفين فيه، ليحدثنا عن تفسير المفردة القرآنية بمفردة اخرى مرادفة لها.

قال(رحمه اللّه) في مقدمة كتابه (المفردات في غريب القرآن):

«واتبع هذا الكتاب ان شاء اللّه تعالى ونسا في الاجل، بكتاب ينبئ عن تحقيق الالفاظ المترادفة على المعنى الواحد، وما بينها من الفروق الغامضة، فبذلك يعرف اختصاص كل خبر بلفظ من الالفاظ المترادفة دون غيره من اخواته، نحو ذكره القلب مرة، والفؤادمرة والصدر مرة. ونحو ذكره تعالى في عقب قصة: (ان في ذلك لايات لقوم يؤمنون)وفي اءخرى: (لقوم يتفكرون) وفي اءخرى: (لقوم يعلمون) وفي اخرى:

(لقوم يفقهون) وفي اءخرى: (لاولي الابصار) وفي اءخرى: (لذي حجر) وفي اخرى:(لاولي النهى) ونحو ذلك مما يعده من لايحق الحق ويبطل الباطل، انه باب واحد،فيقدر انه اذا فسر الحمدللّه، بقوله الشكر للّه، ولا ريب فيه، بلا شك فيه فقد فسر القرآن،ووفاه التبيان، جعل اللّه لنا التوفيق رائدا، والتقوى سائقا، ونفعنا بما اولانا، وجعله لنامن معاون تحصيل الزاد المامور به في قوله تعالى: (وتزودوا فان خير الزادالتقوى)».

وبذا يوضح الراغب احد ائمة التفسير اللغوي ان المترادفات في اللغة غير متساوية في المعنى تمام التساوي، وان هناك فارقا في المعنى بين مرادف ومرادف آخر زائدا على مرادفه، فالمترادفان بينهما اشتراك في المعنى اضافة الى معنى اضافي، غير ان المرادف يقوم بدور الوسيط في ايضاح مرادفه، وليس هو المؤدي تمام المعنى والاداء المساوي من غير فرق بينهما، ولقد طبق الراغب هذه النظرية تطبيقا عمليا على عمله التفسيري في كتابه: (المفردات في غريب القرآن) فلم يكتف بايراد المرادف كمفسر، بل اورده مع الفارق الاضافي من معنى مستبطن في اللفظ المستعمل قرآنيا، نعرف بعضا منهالايضاح هذه النظرية في التفسير اللغوي، فمثلا فسر كلمة (الريب) بقوله: (الريب ان تتوهم امرا ما فينكشف عما تتوهمه) وفسر كلمة (الشك) بقوله: (الشك: اعتدال النقيضين عند الانسان وتساويهما) وبذا يتضح الفارق بين الشك والريب في المعنى،في حين لم يفرق كثير من المفسرين بينهما، كما لم يفرق كثير من اصحاب القواميس بينهما.

وفسر (الامة) بقوله: (كل جماعة يجمعهم امر ما، اما دين واحد، او زمان واحد، اومكان واحد). ولذا فكلمة امة لا تفسر بكلمة جماعة مجردة من اضافة الامر الجامع.
وهكذا فان كلمة (جماعة) لا تساوي كلمة (امة)، بشكل كامل. وفي تفسيره (للخشوع)(بالضراعة)، وضح الفارق في المعنى بين المترادفين بقوله: (الخشوع: الضراعة،واكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح، والضراعة اكثر ما تستعمل في مايوجد في القلب، ولذلك قيل فيما روي: اذا ضرع القلب خشعت الجوارح، وفسر(السغب) بقوله: (هو الجوع مع التعب، وقد قيل في العطش مع التعب).

بينما فسر السغب في قواميس اللغة بالجوع مجردا من حالة التعب. وهكذا فتفسيرالسغب بالجوع مجردا، لا يؤدي الغرض القرآني من استعمال كلمة السغب، ولم يستعمل كلمة جوع، لانها لا تعبر عن تمام المراد، وهو وصف الحالة التي تسيطرعلى الناس في ذلك اليوم (جوع ونصب)، او (جوع يخالطه عطش وتعب) او كل هذه الحالات.
وفسر الاشفاق مفرقا بينه وبين مرادفه، الخوف، بقوله: (والاشفاق عناية مختلطة بخوف، لان المشفق يحب المشفق عليه، ويخاف ما يلحقه.

قال: (وهم من الساعة مشفقون) فاذا عدي بمن فمعنى الخوف فيه اظهر، واذا عدي بفي فمعنى العناية فيه اظهر. قال: (انا كنا قبل في اهلنا مشفقين).

وفسر الهداية بقوله: (الهداية: دلالة بلطف... ثم قال: ان قيل كيف جعلت الهداية دلالة بلطف، وقد قال اللّه تعالى: (فاهدوهم الى صراط الجحيم) ويهديه الى عذاب السعير.قيل: ذلك استعمل فيه استعمال اللفظ على التهكم مبالغة في المعنى، كقوله: فبشرهم بعذاب اليم.

وبهذا التفسير نفهم الفارق بين تفسير من يفسر الهداية بانها: دلالة بلطف، وبين من يفسرها بالدلالة كمرادف لها.

فالتفسير الاول يوضح مراد القرآن المودع في هذه الكلمة كاملا، ليوضح للناس ان اللّه سبحانه دلهم على الطريق بلطف، بينما لا يوضح التفسير الثاني عنصر اللطف في الدلالة، لذا فهو ليس تفسيرا تاما لمراد القرآن الكريم من استعمال لفظ الهداية دون مرادفها.

2- الاشتراك:

وبعد ان تكونت لدينا صورة عن الترادف، وعدم دقة التفسير بالمرادف،لعدم قدرة مرادفه على اداء كامل معناه، نوضح الصنف الثاني من الاشتراك، وهو اشتراك معنيين،او اكثر بلفظ واحد.

اي ان يكون للفظ الواحد اكثر من معنى كلفظ (القرء) الذي قال فيه الراغب: (والقرء في الحقيقة اسم للدخول في الحيض عن طهر، ولما كان اسما جامعاللامرين معا: الطهر والحيض المتعقب له، اطلق على كل واحد منهما.

والقرء اذا انفرد، كالمائدة للخوان والطعام، ثم قد يسمى كل واحد منهما بانفراده به،وليس القرء اسما للطهر مجردا، ولاللحيض مجردا...((9)).

وكلفظ (المولى) الذي يعني العبد والسيد، وكلفظ (دين) الذي يعني: العادة والشان والجزاء والمكافاة.

وعرف اللفظ المشترك بانه: (اللفظ الذي تعدد معناه، وقد وضع للجميع كلا على حدة ولكن من دون ان يسبق وضعه لبعضها لبعض على وضعه للاخر، مثل (عين)الموضوع، لحاسة النظر، وينبوع الماء، والذهب، وغيرها((10)).

وقد ذكر بعض العلماء استحالة استعمال لفظ واحد في معنيين في استعمال واحد.
وحين يرد اللفظ المشترك في القرآن الكريم ينبغي التعامل معه انه من المجملات،وينحل الاجمال بالقرائن اللفظية والسياقية وغيرها من القرائن التي توضح مراد القرآن من المعنى المستعمل فيه.

قال الشيخ الطوسي في مقدمة تفسير التبيان: (ومتى كان اللفظ مشتركا بين شيئين او مازاد عليهما، ودل الدليل على انه لا يجوز ان يريد الا وجها واحدا، جاز ان يقال انه هوالمراد).

وقال الشيخ محمد رضا المظفر(رحمه اللّه): «ولا شك في جواز استعمال اللفظ المشترك في احد معانيه بمعونة القرينة المعينة، وعلى تقدير عدم القرينة يكون اللفظ مجملا، لا دلالة له على احد معانيه »((11)).

لذا ينبغي للمفسر ان يلم بهذه الاستعمالات، ويشخص القرائن المفسرة لهذاالاستعمال المجمل ليستطيع تشخيص المراد القرآني.

وكذا ينطوي فهم تفسير ومعنى الايات القرانية الكريمة  تحت بقية الادوات من الاعراب وموقع الكلمة المفردة والجملة من الكلام و فهم معنى المفردة القرآنية و القراءة و الحقيقة والمجاز للوصول الى المعنى المراد من القران الكريم .
رقم : 874377
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي

البريد الإلكتروني
تعليقك

إخترنا لکم