0
الثلاثاء 14 تموز 2020 ساعة 14:11

شروط معرفة القرآن الكريم

شروط معرفة القرآن الكريم
 إن من أهم الشروط اللازمة للتعرف على القرآن هو معرفة اللغة العربية، فبمثلما يتطلب التعرف على حافظ وسعدي معرفة اللغة الفارسية، كذلك لا يمكن التعرف على القرآن المكتوب باللغة العربية إلا بمعرفة اللغة العربية.والشرط الآخر هو معرفة تاريخ الإسلام، ذلك لأن القرآن لم ينزل دفعة واحدة مثل التوراة والانجيل.وإنما استغرق نزوله ثلاثا وعشرين سنة من حياة الرسول (ص)، من بعثته حتى وفاته، في غضون سنوات ثائرة من تاريخ الاسلام.ولذلك فإن لآيات القرآن (شأن نزول).ولا يعني هذا إن معنى الآية محدد بحدودها، بل على العكس من ذلك، إذ إن معرفة شأن النزول تساعد كثيرا على توضيح مضمون الآية وتمهد السبيل لفهمها.والشرط الثالث هو معرفة اقوال الرسول الاكرم (ص) إذ إنه، حسبما ورد في القرآن، المفسر الأول لهذا الكتاب:

(وأنزلنا إليك الذكر لتبين للنّاس ما نزل إليهم...).(1)

وكما في آية أخرى:

(هو الّذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيّهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة).(2)

فالرسول، بحسب القرآن، هو المبين لهذا الكتاب والمفسر له، وكل ما وصلنا منه يعيننا على تفسير القرآن.أما نحن الشيعة المعتقدين بالأئمة الأطهار والمؤمنين بأن ما كان عند الرسول (ص) من الله قد نقله إلى أوصيائه الأكرمين، نرى الروايات الموثوقة التي وصلتنا منهم لها ما للروايات الموثوقة التي وصلتنا من الرسول (ص) نفسه.ولذلك فإن الموثوق به مما يروى عن الأئمة يعيننا على التعرف على القرآن كذلك.

ثمة نقطة مهمة تجب ملاحظتها عند دراسة القرآن والبحث فيه، وهي إن مجموع آيات القرآن تؤلف بنيانا متماسك الاجزاء، أي إننا لو أخذنا آية واحدة وقلنا إننا نريد أن نفهم هذه الآية وحدها، فلن نكون قد اتخذنا سبيلا سويا.لا شك إن فهمنا لتلك الآية قد يكون صحيحا، ولكنه عمل غير سليم، فالقرآن يفسر بعضه بعضا.وهذا ما أيده الأئمة الأطهار حسبما ورد على لسان بعض كبار المفسرين.إن للقرآن طريقة خاصة في بيان المسائل، ففي كثير من الأحيان يكون للآية إذا أخذت منفردة مفهوما يختلف كل الاختلاف عن مفهومها إذا ما وضعت إلى جنب الآيات المشابهة لها في المضمون.

كمثال على طريقة القرآن الخاصة، يمكن أن نشير إلى آياته المحكمات والمتشابهات والتي يحمل العامة عنها تصورا معينا، ويظن بعض ان المحكمات هي تلك الآيات التي ترد فيها المسائل بصورة صريحة وبسيطة، والمتشابهات، على العكس، هي التي ترد فيها المواضيع بصورة ألغاز ومعميات ورموز.وعلى هذا يحق للناس أن يقتصروا على التدبر في محكمات آياته الصريحة، ظانين إم متشابهاته عصية على الفهم والتدبر.

وهنا يبرز هذا السؤال: ما هي فلسفة وجود الآيات المتشابهات؟ لماذا يعرض القرآن ايات غير قابلة للفهم؟ ان الجواب إجمالا هو إنه لا المحكمات صريحة في معناها، ولا المتشابهات غامضة المعنى.إن الغامضة من التعابير، هي ما يكون معناها مبهما ومجملا وفي كلمات لا تفيد المعنى بصورة مستقيمة.فمثلا عندما كافأ السلطان محمود [الغزنوي] فردوسي الشاعر مكافأة ضئيلة على الرغم مما عاناه من تعب، فانه رفض صلة السلطان وأخذ يهجوه في شعره، متهما إياه بالبخل والإمساك، وكان بعض هجوه صريحا، وبعضه الآخر مبهما.

من ذلك قوله ما معناه: "لو كانت ام السلطان ملكة لبلغ ذهبي وفضتي ركبتي".(3)
ويقول في مكان آخر: "ان كف السلطان محمود، فاتح البلاد، عادت تسعة في تسعة وثلاثة في أربعة(4) فما معنى هذا؟

هنا يستخدم فردوسي تعبيرا غامضا أشبه باللغز وهو يقصد أن يقول: 9 X 9 = 81 و3 X 4 = 12 والمجموع = 93 وهذا يعني إن كف السلطان محمود تشبه الرقم 93، أي إن كفه مضمومة ضما شديدا باستثناء الابهام الذي يكون مع السبابة الرقم 9.ويؤلف مع الاصابع الثلاثة الاخرى الرقم 92. وبهذا يشير فردوسي إلى خسة السلطان محمود.
والآن، هل في القرآن آيات ذوات الغاز؟ إن هذا يتنافى مع نصوص القرآن التي تقول إن القرآن كتاب ينير الطريق، ويفهمه كل الناس، وآياته نور وهداية.إن السر في ذلك هو أن بعض المسائل المطروحة في القرآن تدور حول ما وراء الطبيعة والأمور الغيبية.

وهي أمور غير قابلة للافصاح عنها بالالفاظ.


وكما يقول الشيخ الشبستري:

"لا يمكن ضم المعاني في الحرف، بمثلما لا يمكن ضم البحر اللامتناهي في اناء(5)
ولكن لما كانت لغة القرآن هي لغة الناس ذاتها.فكان لا بد لتلك المواضيع الدقيقة المعنوية أن ترتدي تعابير مما يستعملها الناس للمواضيع المادية.ولغرض الحيلولة دون وقوع سوء فهم.فقد طرحت بعض الآيات بحيث لا تكون مندوحة عن الرجوع إلى آيات أخرى للاستعانة بها في تفسيرها.وما من سبيل غير هذا في ذلك.مثلا، إن القرآن أراد أن يتطرق إلى حقيقة "رؤية الله قلبيا" أي إن الإنسان قادر على أن يرى الله بقلبه.

هذه الحقيقة وردت هكذا:

(وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة)(6).فالقرآن يستخدم هنا لفظة النظر لعدم وجود كلمة اخرى تناسب المقصود.ولكنه لكي يحول دون حدوث أي سوء فهم يقول في مكان آخر:
(لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار).(7)

فلا شك في إن القارئ سوف ينتبه.على الرغم من التشابه اللفظي.أن ليس بين هذين الأمرين علاقة.وانهما منفصلان كل الانفصال. ولئلا تختلط تلك المعاني الرفيعة الشامخة بالمعاني المادية.

يطلب القرآن منا أن نرجع بالمتشابهات على المحكمات: (هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب)(8)

والمحكمات هن اللواتي لا يمكن اخراجهن عن معانيهن، ولا أن نستنتج منهن معاني اخرى.تلك هي الآيات الأم.فكما إن الطفل يرجع إلى أمه، هي مرجع طفلها ـ أو كما إن أم القرى هي مرجع المدن الصغرى، كذلك تكون الآيات المحكمات مراجع للآيات المتشابهات.

فالمتشابهات للفهم والتدبر، ولكن بعد الرجوع إلى المحكمات، فبغير عون الآيات الأم لا يكون ما نأخذه من الآيات المتشابهات موضع اعتبار.

ما معنى معرفة القرآن؟

عند تحليل القرآن ومعرفة محتواه، يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: أيمكن تعرف القرآن ودراسته أصلا؟ أيمكننا أن نتدبر القرآن ونفكر في آياته؟أم إنه لم ينزل لكي يتعرفه الناس، بل نزل لمجرد التلاوة والقراءة، ولنيل الثواب والتبرك والتيمن ليس غير؟ قد يبدو لأول وهلة أن لا داعي لإيراد مثل هذا السؤال، وإنه لا شك في أن القرآن نزل لكي يعرف.ولكن بما انه قد ظهرت في دنيا الإسلام أمور يؤسف لها بحيث ما زالت ذات جذور لأفكار منحطة خطيرة في مجتمعنا، فقد رأينا إن علينا أن نورد ما يوضح هذا الجانب من الأمور.

قبل ثلاثة قرون أو أربعة، ظهر من بين علماء الشيعة افراد اعتقدوا إن القرآن ليس حجة، ورفضوا القبول بثلاثة من أصول الفقه الأربعة التي كان علماء الإسلام قد اعتبروها معيارا لمعرفة المسائل الإسلامية، وهي: القرآن، والسنة، والعقل، والإجماع.

ففيما يتعلق بالإجماع كانوا يقولون: إن هذا من تقاليد أهل السنة فلا يمكن اتّباعه.

وبخصوص العقل كانوا يقولون: كيف يجوز اعتماد العقل وهو كثير الأخطاء.

أما عن القرآن فكانوا يدعون من باب التقدير والاحترام: إنه اكبر من أن نتمكن نحن التافهين من البشر أن نطالعه ونتفكر فيه، بل إن الرسول والأئمة وحدهم الذين يحق لهم أن يتلو آياته.وهؤلاء هم الأخباريون.لذلك كان مرجع الأخباريين الوحيد الجائز هو الأحاديث والأخبار. وقد ينتابكم العجب إذا علمتم أن في بعض التفاسير التي كتبها هؤلاء، كانوا يدرجون الآية إذا كان لها ثمة حديث، ويغفلون إدراجها إذا لم يكن لها حديث، وكأنها ليست من القرآن. هذا لون من الظلم والجفوة بحق القرآن.

ومن البديهي إن مجتمعا يهمل كتابه السماوي. كتابا كالقرآن، بهذه الصورة ويطرحه في زاوية النسيان، لا يمكن أن يكون سائرا على هدي القرآن.

كان هناك غير هؤلاء جماعات أخرى أيضا، اعتقدت بضرورة إبعاد القرآن عن أيدي العامة.ومن هؤلاء الاشاعرة الذين كانوا يعتقدون بأن معرفة القرآن لا تعني تتدبر آياته، بل تعني فهم معانيها الحرفية، أي إن علينا أن نقبل بالمعنى الظاهر للآيات، ولا شأن لنا بعد ذلك بالباطن.

لا شك في إن هذه النزعة تؤدي إلى الإنحراف والضلال، وذلك لأن هؤلاء كانوا مضطرين إلى توضيح معاني الآيات ولكنهم، بالغائهم عمل العقل، لم يكن امامهم من القرآن إلا مفهوم هو أقرب إلى مفهوم العوام. وهم لذلك سرعان ما انحرفوا عن جادة الصواب، واعتنقوا معتقدات غير صحيحة.

من ذلك مثلا تجسيدهم الله (سبحانه) ومئات أخرى من المعتقدات الخرافية، كإمكان رؤية الله تعالى عيانا ومخاطبته، وإلى غير ذلك.

وفي مقابل هذه الجماعات التي تركت القرآن فعلا، ظهرت جماعة أخرى جعلت من القرآن وسيلة للوصول إلى غاياتهم وأهدافهم، أخذ هؤلاء يؤولون القرآن كيفما اقتضت منافعهم،ونسبوا إلى القرآن أمورا لم تكن فيه إطلاقا. وكانوا يردون على كل اعتراض قائلين بأنهم وحدهم الذين يدركون المعاني الباطنية للقرآن وإن تأويلاتهم تلك متأتية من معرفتهم بآياته.

إن أبطال هذه الجماعات فئتان: الفئة الأولى هم الاسماعيلية، ويعرفون بالباطنية أيضا.
والثانية هم المتصوفة. واكثر الاسماعيلية في الهند وقليل منهم في ايران. وقد بلغ بهم الأمر أنهم أنشأوا حكومتهم ايضاً، وهي الدولة الفاطمية في مصر. ويعرف الإسماعيليون بانهم من الشيعة الذين يعترفون بستة من الأئمة. غير أن المقطوع به، وبإجماع واتفاق تام من علماء الشيعة الاثني عشرية، إن هؤلاء أبعد ما يكونون حتى عن غير الشيعة. أي إن أهل السنة الذين لا يرون في أئمة الشيعة ما يرى الشيعة فيهم، أقرب إلى التشيع من هؤلاء المحسوبين على الشيعة(9)

إن هؤلاء، بسب تشبثهم بالباطنية، أساءوا إلى الإسلام وخانوه خيانات عديدة في التاريخ الاسلامي، وكان لم دور كبير في إيجاد الإنحرافات في أمور الإسلام.

بعد هؤلاء نأتي إلى المتصوفة الذين كانت لهم اليد الطولى في تحريف الآيات وتأويلها بحسب عقائدهم الخاصة. وكمثال على ذلك، نذكر نموذجا من تفاسيرهم، ليتبين طرز تفكيرهم، بحيث يستطيع القارئ أن يقرأ المفصل من هذا المجمل: لقد جاء في القرآن ذكر إبراهيم وابنه إسماعيل، وأن الله قد أمر إبراهيم في المنام عدة مرات بذبح إسماعيل تقربا إليه. ويعجب إبراهيم أول الأمر لهذا الأمر، ولكنه بعد تكرر الرؤيا يؤمن بذلك ويسلم امره لله، ويفاتح ابنه بذلك، فيستسلم إسماعيل استسلام المخلص له: (يا بني إنّي أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين).(10)

المقصود هنا هو هذا التسليم أو الرضا بقضاء الله، ولذلك عندما قام الأب والإبن، بكل خلوص نية ونقاء سريرة بإعداد العدة لتنفيذ أمر الله تعالى، توقف التنفيذ بأمر من الله ايضا.

اما المتصوفة فيرون في تفسير هذه الآية إن إبراهيم هو العقل، وإن إسماعيل هو النفس، وإن العقل ههنا كان ينوي قتل النفس.

من الواضح ان هذه المفهوم لا يعدو أن يكون تلاعبا بالقرآن، ولونا من المعرفة التحريفية.
إن هذه المفاهيم المنحرفة المبنية على الأهواء الشخصية، هي التي قال فيها الرسول (ص): "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار". إن هذا التلاعب خيانة للقرآن بل خيانة عظمى(11)

والقرآن، في قبال جمود الأخباريين وجفاف تفكيرهم، وكذلك في مواجهة انحرافات الباطنية ومفاهيمهم الخاطئة وأمثالهم، يعرض سبيلا وسطا هو التأمل والتدبر الخالص المنصف وبغير تغرض. إن القرآن لا يحرض المؤمنين فحسب على التفكير في آياته، بل إنه يحث المخالفين له على ذلك أيضا، ويطلب منهم ألا يتحزبوا، بل يتأملوا في آياته، ويقول:

(أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها)(12)

وفي آية اخرى يقول:

(كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدّبروا آياته وليتذكّر أولوا الألباب)(13).

أي انه كتاب غزير الثمر، كثير البركة، وإن تدبر آياته لا يعني تقبيله ومن ثم وضعه على الرف، بل يعنى تدبر آياته والتفكير فيها.

إن هذه الآيات وعشرات أخرى في توكيد تدبر القرآن، تجيز كلها تفسير القرآن وتؤيده، ولكن لا التفسير المبني على هوى النفس، بل المبنى على أساس من الصدق والإنصاف والتجرد عن الغرض. فعندما نتأمل في القرآن صادقين وغير مغرضين، لن تكون هناك ثمة ضرورة إلى أن تكون لنا القدرة على حل كل مسائله.

إن القرآن من هذا المنظور أشبه بالطبيعة. ففي الطبيعة كثير من الأسرار التي ما زالت تفتقر إلى الحل، وليس بالإمكان حلها في الظروف السائدة فعلا، ولكنها سوف تحل في المستقبل.ثم إن الإنسان في سعيه لمعرفة الطبيعة ينبغي عليه أن يلائم بين تفكيره والطبيعة كما هي، لا أن يفسر الطبيعة على حسب ما يشاء هو.وكذلك هو القرآن، فانه لم ينزل لزمان واحد، ولو لم يكن الأمر كذلك، لانكشفت أسراره منذ أمد، ولفقد هذا الكتاب السماوي كل جاذبيته وجدته وتأثيره. غير أننا نرى أن الرغبة في تدبره والتفكير فيه واستكشاف جديد لم يزل باقيا كما كان، وهذه ملاحظة سبق أن شرحها النبي والأئمة.

فقد ورد في حديث عن الرسول (ص) أنه قال: "مثل القرآن كمثل الشمس والقمر، فهو مثلهما في جريان دائم". أي إنه ليس على وتيرة واحدة ولا هو قد سمرّ في مكان واحد. وقال ايضا: "القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق".

وجاء في عيون اخبار الرضا (ع) عن الإمام جعفر الصادق (ع) أنه سئل عن السر في إن القرآن تزداد طراوته وجدته بتقادم الزمان عليه وبتكرار تلاوته. فقال: لأن القرآن لم ينزل لزمان دون زمان ولناس دون ناس، بل إنه نزل لكل الازمان ولكل الناس. إن منزّله قد صاغه بحيث إنه يتقدم على كل تطور في العلم والتفكير، على الرغم من التطور الهائل في المعارف والعلوم، كما إنه يعرض من المعاني والمفاهيم القابلة للدرك بما يتسع لظرفية الزمان واشباعه.
رقم : 874383
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي

البريد الإلكتروني
تعليقك

إخترنا لکم